العيني

84

عمدة القاري

أي : قال الهرمزان : نعم ، وهو حرف إيجاب ، وقال الكرماني : إن صحت الرواية بلفظ فعل المدح فتقديره : نعم المثل مثلها ، والضمير في مثلها يرجع إلى الأرض التي يدل عليها السياق ، وارتفاع : مثلها ، على الابتداء وخبره قوله : مثل طائر . قوله : ( والجناج قيصر ) ، هو ملك الروم ، قيل : فيه نظر لأن كسرى لم يكن رأساً للروم ، ونوزع في هذا بأن كسرى رأس الكل لأنه لم يكن في زمانه ملك أكبر منه ، لأن سائر ملوك البلاد كانوا يهابونه ويهادونه . قوله : ( فلينفروا إلى كسرى ) ، إنما أشار بالنفير أولاً إلى كسرى لكونه رأسا ، فإذا فات الرأس فات الكل . وأشار إلى هذا المعنى بقوله : ( وإن شدخ الرأس ) أي : وإن كسر ، من الشدخ بالشين المعجمة والدال المهملة والخاء المعجمة ، قال ابن الأثير : الشدخ كسر الشيء الأجوف ، تقول : شدخت رأسه فانشدخ ، فإن قلت : قال : فالرأس كسرى والجناح قيصر والجناح الآخر فارس ، وما الرجلان ؟ قلت : لقيصر الفربخ مثلاً ، ولكسرى الهند مثلاً ، ولا شك أن الفربخ كانت في طرف من قيصر متصلين به ، والهند كانت في طرف من كسرى متصلين به ، وإنما لم يقل : وإن كسر الرجلان فكذا ، اكتفاء للعلم بحاله قياساً على الجناح ، لا سيما وأنه بالنسبة إلى الظاهر أسهل حالاً من الجناح . فإن قلت : إذا انكسر الجناحان والرجلان جميعاً لا ينهض أيضاً ؟ قلت : الغرض أن العضو الشريف هو الأصل فإذا صلح صلح الجسد كله ، وإذا فسد فسد ، بخلاف العكس . قوله : ( وقال بكر ) ، هو بكر بن عبد الله المذكور . ( وزياد ) ، هو زياد بن جبير المذكور . قوله : ( فندبنا ) ، بفتح الدال والباء على صيغة الماضي ، أي : طلبنا ودعانا وعزم علينا أن نجتمع للجهاد . قوله : ( واستعمل علينا النعمان بن مقرن ) أي : جعله أميراً علينا ، وكان النعمان قدم على عمر ، رضي الله تعالى عنه ، بفتح القادسية التي ذكرناها عن قريب ، وفي رواية ابن أبي شيبة : فدخل عمر المسجد فإذا هو بالنعمان يصلي ، فقعد فلما فرغ قال : إني مستعملك ! قال : أما جابياً فلا ، ولكن غازياً . قال : فإنك غازٍ ، فخرج ومعه الزبير وحذيفة وابن عمر والأشعث وعمرو بن معدي كرب ، وفي رواية الطبراني : فأراد عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أن يسير بنفسه ثم بعث النعمان ومعه ابن عمر وجماعة ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يسير بأهل البصرة ، وإلى حذيفة أن يسير بأهل الكوفة حتى يجتمعوا بنهاوند ، وإذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن ، بضم الميم وفتح القاف وكسر الراء المشددة وبالنون : ابن عائذ بن منجي بن هجير بن نصر بن حبشية بن كعب بن عبد بن تور بن هدمة بن الأطم بن عثمان . وهو مزينة بن عمرو بن أد بن طابخة المزني ، قال أبو عمر : ويقال : النعمان بن عمرو بن مقرن ، يكنى أبا عمرو ، ويقال : أبا حكيم . قال مصعب : هاجر النعمان بن مقرن ومعه سبعة أخوة ، وروى عنه أنه قال : قدمنا على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في أربع مائة من مزينة ، ثم سكن البصرة وتحول عنها إلى الكوفة . قوله : ( حتى إذا كنا بأرض العدو ) وهي نهاوند ، بضم النون وتخفيف الهاء وفتح الواو وسكون النون ، وفي آخره دال مهملة ، وضبط بعضهم : بفتح النون وليس كذلك ، بل بالضم لأن الذي بناها نوح ، عليه الصلاة والسلام ، وكانت تسمى : نوح أوند ، يعني : عمرها نوح ، عليه الصلاة والسلام ، فأبدلوا الحاء هاء ، وهي مدينة جنوبي همدان ولها أنهار وبساتين ، وهي كثيرة الفواكه وتحمل فواكهها إلى العراق لجودتها ، منها إلى همدان أربعة عشر فرسخاً ، وهي من بلاد عراق العجم في حد بلاد الجيل . قوله : ( وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفاً ) ، كان هؤلاء الأربعون ألفاً من أهل فارس وكرمان ، وكان من أهل نهاوند عشرون ألفاً ومن أهل أصبهان عشرون ، ومن أهل قم وقاشان عشرون ومن أهل أذربيجان ثلاثون ألفاً ومن بلاد أخرى عشرون ألفاً فالجملة مائة ألف وخمسون ألفاً فرساناً ، وكان عامل كسرى الذي على هؤلاء الجيش الغيرزان ، ويقال : بندار ، ويقال : ذو الحاجبين ، وقال ابن الأثير في ( كتاب الأذواء ) : ذو الحاجبين هو خرزاد بن هرمز من الفرس أحد الأمراء الأربعة الذين أمرتهم الأعاجم على كورة نهاوند ، وكانت هذه الوقعة التي وقعت على نهاوند وقعة عظيمة ، وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح ، وقال ابن إسحاق والواقدي : كانت وقعة نهاوند في سنة إحدى وعشرين ، وقال سيف : كانت في سنة سبع عشرة ، وقيل : في سنة تسع عشرة ، وكانت هذه الواقعة أربع وقعات ، وفي الوقعة الثانية قتل النعمان ابن مقرن أمير الجيش وقام مقامه حذيفة بن اليمان ، رضي الله تعالى عنه ، قوله : ( فقام ترجمان ) ، بفتح التاء وضمها وضم الجيم والوجه الثالث فتحهما نحو : الزعفران . قوله : ( فقال المغيرة ) ، وهو المغيرة بن شعبة ، وكان هو الترجمان ، وكذلك كان هو الترجمان بين الهرمزان وعمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، في المدينة لما قدم الهرمزان إليه كما ذكرناه . قوله : ( قال : ما أنتم ؟ )